محمد سعيد رمضان البوطي

246

فقه السيرة ( البوطي )

بعضهم : بل نصلّي ، ولم يرد منا ذلك فذكروا ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم . فلم يعنف واحدا منهم « 1 » . وحاصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بني قريظة - وهم متحصنون في حصونهم - خمسا وعشرين ليلة وقيل خمسة عشر يوما « 2 » حتى جهدهم الحصار وقذف اللّه في قلوبهم الرعب . روى ابن هشام أن كعب بن أسد قال لليهود : لما رأى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير منصرف عنهم ، يا معشر يهود : قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم ، قالوا : فما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه ، فو اللّه لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأبنائكم ونسائكم ، قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ، قال : فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، قالوا : فما ذنب المساكين ؟ قال : فإن أبيتم هذه أيضا فإن الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فأنزلوا لعلنا نصيب منهم غرة ، فأبوا ذلك أيضا . ثم إنهم نزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهم - وقد كانت بنو قريظة حلفاء للأوس - فأحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوسيين ، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ ، وكان قد أصيب بسهم في الخندق فكان يداوى في خيمة هناك ، فلما حكّمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بني قريظة وأرسل إليه بذلك ، أتى على حمار ، فلما دنا من المسجد « 3 » ، قال للأنصار : قوموا إلى سيدكم أو خيركم ، ثم قال : إن هؤلاء نزلوا على حكمك ، قال : تقتل مقاتلهم وتسبى ذريتهم ، فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « قضيت بحكم اللّه تعالى » « 4 » . ثم قال سعد رضي اللّه عنه : اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم

--> ( 1 ) رواه البخاري . ( 2 ) الذي رواه ابن هشام أن مدة الحصار كانت خمسة وعشرين يوما ، وجزم ابن سعد في طبقاته أنها كانت خمسة عشر فقط . ( 3 ) ليس المراد به مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المدينة ، بل مكان اختطه صلى اللّه عليه وسلم في بني قريظة للصلاة فكان مسجدا ، كما قال شراح الحديث . ( 4 ) متفق عليه .